×
إن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو الخوف من الله - عز وجل -، والرجاء لما عنده، والمحبة له سبحانه. وهذا الكتيب يبين حياة أولئك الأخيار في خوفهم الله ورجائهم إياه.

 الخوف والرجاء

عبد الله بن سليمان العتيق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو الخوف من الله تعالى، والرجاء لما عنده، والمحبة له سبحانه.

لذلك اعتبر الخوف والرجاء والمحبة أجنحة المقربين يطيرون بها إلى كل مقام عال، والخوف هو تاج المقربين ونبراس الفالحين، وسراج السالكين فهو من أجلَّ منازل الطريق وأنفعها، وهو فرض على كل أحد.

ولمكانته عند الصالحين كانت هذه الورقات النافعات الكاشفات عن أحوال السلف المكرمين

 أقسام الخوف

الخوف من الله تعالى له صور وأشكال:

الصورة الأولى: الخوف من العقوبة: عوتب الحسن -رحمه الله- في شدة حزنه وخوفه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع عليَّ في بعض ما يكره فمقتني، فقال: اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معتمل.

طاووس في فراشه كالحبة في المقلي:

وهذا طاووس يفرش له الفراش فيضطجع ويتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: "طير ذكر جهنم نوم الخائفين" وصح أن زرارة بن أوفى قرأ في صلاة الفجر ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: 8] فخر ميتًا.

وقال مالك بن دينار: لو استطعت لم أنم مخافة أن ينزل العذاب يا أيها الناس النار النار.

كان سفيان الثوري ينادي في ليلة: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشبهات، وقرئ في مجلس يحيى بن سعيد القطان سورة الدخان  فصعق يحيى وغشي عليه.

لذنوبي أهون عندي من ذا:

وقال عبد الرحمن بن مهدي: مات سفيان الثوري عندي فلما اشتد به جعل يبكي. فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب؟

فرفع شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.

هذا هو خوف الصالحين يخافون من سلب الإيمان عند الموت، ويخشون سبق الكتاب عليهم في كونهم عاملين بعمل أهل النار.

وهذا الضحاك بن مزاحم: كان إذا أمسى بكى فيقال له، فيقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي

والخوف من العقوبة هو الخوف الذي يصح به الإيمان، وهو الخوف الواجب على كل مسلم أن يأتي به، ولا يعذر بتركه.

والقدر الواجب من الخوف هو ما كان فيه أمران.

الأول: أن يكون باعثًا على فعل الواجبات.

الثاني: أن يكون مانعًا من فعل المحرمات.

وأما الخوف الذي يكون معه تخلف أحد هذين الأمرين فليس محمودًا.

الصورة الثانية: الخوف من مكر الله تعالى:

وهذا الذي أذهب الأنس من نفوس الصالحين وهو الذي جلب لهم الحزن الدائم الطويل يخشى أحدهم أن يعمل بالليل طاعات لله تعالى ثم يدركه في صباحه قدر الله فيكون في عكس حاله في مسائه.

والله ما أبكي على الدنيا:

لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال له أصحابه: علام تبكي, فوالله لقد كنت غضيض العيش أيام حياتك؟

فقال: والله ما أبكي على الدنيا، وإنما أبكى خوفًا أن أحرم خير الآخرة.

قرئ على يحيى البكاء ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] فصاح صيحة مكث منها مريضًا أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة.

وجزع محمد بن المنكدر عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ قال أخشى آية من كتاب الله ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47] فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن احتسب ([1]).

وقيل لسليمان التيمي: أنت أنت، ومن مثلك؟!

قال: لا تقولوا هكذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل.

هل في الأرض مائة يتخوّفون ما تتخوف؟

ذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء، فقال نوف البكالي: لغير الدجال أخوف مني من الدجال.

فقال أبو الدرداء: وما هو؟

قال: أخاف أن أسلب إيماني وأنا لا أشعر.

فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك يا ابن الكندية وهل في الأرض مائة يتخوفون ما تتخوف([2]).

ما هنالك إلا عفوه:

وقال أحمد بن أبي الحواري: كنت أسمع وكيعًا يبتدئ قبل أن يحدث فيقول: ما هنالك إلا عفوه، ولا نعيش إلا في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم([3]).

هذه جمل من أحوالهم، رحمهم الله، في الخوف من المكر بهم ولو نظرنا إلى ذلك المكر المخوف منه نوعان:

الأول: الانقلاب من الإسلام إلى الكفر.

الثاني: الانقلاب من السنة إلى البدعة، ومن الطاعة إلى المعصية.

لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال:

لما احتضر سفيان الثوري جعل يبكي، فقيل له: يا أيا عبد الله، عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك.

فقال: أو على ذنوبي أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا.

أحوالهم في الخوف وما يجري لهم:

لقد غلب الخوف على قلوب الصالحين فطرد أنسها، وجلب حزنها.

فما كان منهم إذ ذاك إلا تنوع صور خوفهم من الله تعالى.

1- الموت من خشية الله:

قلوب الصالحين تغلبها الرقة واللين، وتعظيم الله تعالى في قلوبهم كبير جدًا، هذا علي بن الفضيل قال عنه إبراهيم بن بشار: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا ..﴾ [الأنعام: 27] مع هذا الموضوع مات، وكنت فيمن صلى عليه رحمه الله ([4]).

وقال نهر بن حكيم: أمَّنا زرارة بن أوفى، قاضي البصرة في مسجد بني قشير فقرأ المدثر فلما انتهى إلى هذه الآية ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: 8] خرَّ ميتًا.

رددها يا صالح:

قام مناد ينادي في مجلس صالح المرى، فقال: ليقم الباكون والمشتاقون إلى الجنة. فقام أبو جهث فقال: اقرأ يا صالح: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 23، 24] فقال أبو جهث: رددها يا صالح، فما فرغ من الآية حتى مات.

قد نتساءل في سبب موت هؤلاء الصالحين.

هذا أحد الذين شهدوا مثل هذه المناظر والأحوال يبين لنا ذلك. يقول أبو طارق: شهدت ثلاثة رجال أو نحوهم ماتوا في مجلس الذكر. يمشون بأرجلهم صحاحًا إلى المجالس، وأجوافهم والله قرحة، فإذا سمعوا الموعظة انصدعت قلوبهم فماتوا.

2- العمى من كثرة البكاء:

بكاء الصالحين إما أن يكون من رغبة فيما عند الله تعالى، وإما أن يكون رهبة من وعيده وعذابه.

ولشدة الثانية على أنفسهم أصبحوا كثيري البكاء مما قد سبب لعيون بعضهم العمى.

قال عبد الرحمن بن مالك بن مغول: بكى أسيد الضبي حتى عمي.

وكان إذا عوتب على البكاء بكى، ثم قال: الآن حين لا أهدأ؟ وكيف أهدأ وأنا أموت غدًا.

بكى العلاء بن زياد حتى غشي بصره.

وبكى أبوه حتى عمي  ([5]).

وما أعجب حال العالم الحافظ أبي عيسى الترمذي يقول عنه عمر بن علك: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد وانظر إلى هذا الأمر عنه:

قال: بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين  ([6]).

3- الغشي الذي يصيبهم بسبب الخوف:

قال خالد بن خداش: قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال يوم القيامة (تأليفه) فخر مغشيًا عليه.

قال: فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام رحمه الله تعالى  ([7]).

وقال أيضًا: كنت أقعد إلى وسيم البلخي وكان أعمى، وكان يحدث ويقول: أوه! للقبر وظلمته وللحد وضيقه، كيف أصنع؟!

ثم يغمى عليه.

هذا ضيغم بن مالك قالت له أمه: تراني أراك غدًا في القيامة؟ فصرخ ثم صرخ ثم سقط وقد غشي عليه.

وكان يزيد الرقاشي يبكي ويقول لأصحابه: أبكوا قبل الداهية الكبرى، ابكوا اليوم قبل أن تبكوا غدًا ابكوا اليوم قبل أن لا يغني البكاء، ابكوا على التفريط أيام الدنيا.

ثم يبكي حتى يرفع صريعًا من مجلسه.

وقال عنبسة بن الخواص: كان عتبة بن أبان يزورني فبات عندي ليلة فبكى من السحر بكاء شديدًا.

فلما أصبح، قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك فمم ذاك يا أخي؟

قال: يا عنبسة إني والله ذكرت يوم العرض على الله عز وجل ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت انظر إلى عينيه تتقلبان، قد اشتدت حمرتهما ثم اربد وجعل يخور (أي: يضعف*

فناديته: عتبة، عتبة.

فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين له.

ثم مال، وجعل يحشرج البكاء ويردده، حشرجة الموت.

ويقول: أتراك مولاي تعذب محبيك وأنت الحي الكريم.

قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني.

هذه نتف من أخبارهم في الخوف من الله تعالى.


 الرجاء

الرجاء هو: تحسين العبد الظن بربه حين غلبة المخاوف عليه.

وكان السلف يغلبونه حال الاحتضار حين يكون منهم الخوف من سوء الخاتمة.

والخوف والرجاء جناحان للعبد يطيران به إلى رضى الله تعالى.

وأجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل  ([8]).

وحال السلف فيهما هو:

1- تغليب الرجاء في زمن الشدائد؛ وخاصة عند الاحتضار.

2- تغليب الخوف في زمن الأمن والحياة.

3- الجمع بينهما فيما بين الحالين السابقتين.

قال يحيى بن معاذ: لقد رجوت ممن ألبسني بين الأحياء ثوب عافيته أن لا يعذبني بعد الممات، وقد عرفت جود رأفته.

إلهي: إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك، فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضل سعتك.

إلهي: لولا ما عرفت من عدلك ما خفت من عذابك، و لولا ما عرفت من فضلك ما رجوت ثوابك.

إلهي: إن كنت لا تعفو إلا عن أهل طاعتك، فإلى من يفزع المذنبون؟ وإن كنت لا ترحم إلا أهل تقواك؛ فبمن يستغيث المسيؤون؟

هذه كلمات لهذا الإمام الزاهد ملأها رجاء وأملاً بربه تعالى.

ومن رجائهم فضل الله تعالى ما كان من شأن أبي عبد الرحمن السلمي لما حضره الموت دخل بعض الناس يرجون.

فقال: أنا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضانًا ([9]).

وقوله هذا يفيدنا أمرًا مهما في الرجاء، وهو: أن الرجاء إنما يكون مع العمل لله تعالى باجتناب المعاصي و المنهيات، وفعل الطاعات والمأمورات.

وأما الرجاء مع فعل المعاصي وترك الطاعات فهو غرور.

وليس هو فعل السلف ولم يأمروا به.

قال ابن القيم، رحمه الله: والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم.

فالأول:

رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه.

ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها؛ فهو راج لمغفرة الله، تعالى، وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه.

والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب ([10]). اهـ.

قال الفضيل بن عياض: واصفًا قوة رجائه بالله، لو أدخلني النار ما أيست ([11]).

وقال أحد العباد: لما علمت أن ربي يلي محاسبتي زال عني حزني لأن الكريم إذا حاسب عبده تفضل.

ولكن هذا إذا كان الرجل صاحب عمل صالح يشفع له عند الله.

عن بكر بن سليمان الصواف قال: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا: يا أبا عبد الله كيف تجدك؟

قال: ما أدري ما أقول لكم؛ إلا إنكم ستعاينون غدًا من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب.

قال: ثم ما برحنا حتى أغمضناه.

ولما نزلت بعبد الله بن إدريس الوفاة بكت بنته.

فقال: لا تبكي، قد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة([12]).

قال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: كيف تجدك؟

قال: أجدني بخير، راجيًا لله، حسن الظن به، والله ما يستوي من غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره، ويرجع إلى الآخرة، لا حظ له فيها ولا نصيب ([13]).

ولقد كان لسان حالهم قول ابن أحمد بن العباس النمري:

وإني لأرجو الله حتى كأنني  أرى بجميل الظن ما الله صانع

وأسوأ الناس هو من غاب عن رجاء الله تعالى.

قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟

قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم.

قال محمود الوراق:

ما زلت أغرق في الإساءة دائبًا

وتنالني بالعفو والغفران

لم تنقصني إذ أسأت وردتني

حتى كأن إساءتي إحسان

تولي الجميل عن القبيح كأنما        يرضيك مني الزور والبهتان

لا أحد يشك في رحمة الوالدين للولد وشفقتهما عليه، لكن الله تعالى أرحم بعبده من والديه به.

ومن أجل ذلك كان السلف لو خيروا بين أن يحاسبهم الله أو والديهم لاختاروا محاسبة الله لهم.

والسبب أن الله تعالى رحيم بعباده، غفار للذنوب، كريم ذو فضل عظيم، فيرجون مغفرته لما سلف من ذنوبهم.

قال حماد بن سلمة: والله لو خيرت بين محاسبة الله لي، وبين محاسبة أبوي، لاخترت محاسبة الله؛ وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي ([14]).

ولا نعجب مع هذا أن بلغ بهم الرجاء مبلغًا كبيرًا حتى أن سعد بن أبي وقاص جزم لنفسه بالجنة من قوة الرجاء.

قال ابنه مصعب: كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي فبكيت، فرفع رأسه إليَّ، فقال: أي بني ما يبكيك؟

قلت: لمكانتك وما أرى بك.

قال: لا تبك؛ فإن الله لا يعذبني أبدًا، وإني من أهل الجنة ([15]).

ولعل سعدًا رضي الله عنه، أخذ ذلك من قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41] وأخذه بها رجاء كبير.

والرجاء الذي كانوا يعيشون لحظاته ونفحاته له أسباب ومؤهلات تجعلهم أهلاً للرجاء.

إليك هذه القصة التي كانت من إمام عالم كبير وهو سحنون رحمه الله، قال يحيى بن عون: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض، فقال: ما هذا القلق؟.

قال له: الموت والقدوم على الله.

قال له سحنون: ألست مصدقًا بالرسل والبعث والحساب، والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، والقرآن كلام غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا نخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا؟ قال: إي والله.

فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت ([16]).

وقال معتمر بن سليمان بن طرخان: قال لي أبي عند موته: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى، وأنا حسن الظن به.

وقال شعيب بن حرب لرجل: إن دخلت القبر ومعك الإسلام فأبشر ([17]).

ولم يكن رجاؤهم فضل الله ورحمته من عند أنفسهم، وعجز هممهم عن الطاعات، لا، بل كانوا سباقين إلى كل طاعة وبر، وإنما رجاؤهم على كتاب الله تعالى، قال ابن مسعود: إن أكبر آية في القرآن فرجًا آية في سورة الغُرف الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا ...﴾ [الزمر: 53].

فعلى مثل هذه كان رجاؤهم بالله قويًا.

قال أبو بكر السهزراوي: كنت في مجلس أبي القاسم الجنيد وابن عطاء حاضر، ورجل في المجلس قد غلبته شدة الخوف وهو يرجف، فقال له أبو القاسم الجنيد: لا ترع (أي: لا تخف) فما هو إلا أن تبدو عين من عيون الرحمة، فإذا المسيء، قد لحق بالمحسن.

قال ابن عطاء: حتى تبدو؟!

فغضب الجنيد، وقال: أما والله إنها لبادية، أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله عز وجل: سبقت رحمتي غضبي»؟!

فسكت ابن عطاء.

قال الشافعي رحمه الله:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي دون عفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل

تجود وتعفو منة وتكرما

فإن تنتقم مني فلست بآيس

ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما

ولولاك لم يغو بإبليس  عابد

فكيف وقد أغوى صفيك آدما

وإني لآتي الذنب أعرف قدره

وأعرف أن الله يعفو ترحما([18])

قال حكيم من الحكماء يناجي ربه تعالى:

إلهي: لو أتاني الخبر أنك غير قابل دعائي، ولا سامع شكواي، ما تركت دعائي ما بل ريقي لساني.

أين يذهب الفقير إلا إلى الغني؟

وأين يذهب الذليل إلا إلى العزيز؟

وأنت أغنى الأغنياء، وأعز الأعزاء يا رب.

قال ابن القيم:

لولا التعلق بالرجاء تقطعت

نفس المحب تحسرًا وتمزقًا

وكذاك لولا برده بمرارة الـ

أكباد ذابت بالحجاب عرقًا

أيكون قط حليف حب لا يرى

برجائه لحبيبه متعلقًا

أم كلما قويت محبته له

قوي الرجاء فزاد فيه تشومًا

لولا الرجا يحدو المطي لما سرت

بحمولها لديارهم نرجو اللقا


 الجمع بين الخوف والرجاء

سلك الصالحون في تربية أنفسهم مسلكًا بديعًا، فهم ما بين ترغيب وترهيب، إن أقبلت على الله بالطاعات أتوا بالترهيب من عدم قبول العمل وغيره، وإن اتبعت هواها وأخذتها نزعاتها أتوها بالترهيب حتى تخاف الله وتخشى عذابه ثم يتبعون الترهيب بالترغيب لها بما عند الله تعالى.

والسر في ذلك هو:

أنه في إدامة الترغيب لها بفضل الله ورحمته قد تركن إلى ذلك وتترك العمل. فيأتون بالترهيب والتخويف.

وفي إدامة الترهيب من وعيد الله والتخويف من إحاقة مكر الله بالعبد قد تقنط من روح الله وتيأس من رحمته فيرغبونها بما عند الله من سعة الفضل وشمول الرحمة.

وهذا هو الجمع بين الخوف والرجاء.

قال محمد بن واسع وهو في الموت: يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي؟

والله إلى النار أو يعفو الله ([19]).

قال أبو عبد الله الشامي: قال لي طاووس: سل وأوجز، وإن شئت علمتك في مجلس هذا القرآن والتوراة والإنجيل.

قلت: إن علمتنيه لا أسألك عن شيء.

قال: خف الله مخافة ألا يكون شيء عندك أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك لغيره، وأحب للناس ما تحبه لنفسك ([20]).

هذا ما يسر الله كتابته من حياة أولئك الأخيار في خوفهم الله ورجائهم إياه.

رزقنا الله حالهم وخيرًا منها.

وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



([1])  السير: (5/355).

([2])  السير (8/460).

([3])  السير (12/92).

([4])  السير (1/446).

([5])  السير (4/202، 203).

([6])  السير (13/273).

([7])  السير (9/226).

([8])  مدارج السالكين (1/37).

([9])  السير (4/271).

([10])  مدارج السالكين (1/27).

([11])  السير (8/432).

([12])  السير (9/74).

([13])  السير (6/99).

([14])  السير (7/449).

([15])  السير (1/122).

([16])  السير (12/67).

([17])  السير (12/92).

([18])  السير (10/76).

([19])  السير (6/121).

([20])  السير: (5/47).